يوسف المرعشلي

1339

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

فأخبره ، فلم يوافق شريكه ذلك ولم يرض هو بترك الدرس ، فعرض القضية على والده السيد عثمان فأقبلا يتعاونان على إقناعه ولكن عبثا حاولا ، وصار هو يقنع والده ويرجوه أن يسمح له في ذلك وأن يدعو له بالتوفيق والنجاح ، ولما رأى والده إصراره على ذلك لم يجد بدّا من موافقته وتركه وشأنه ، وحينئذ قطع علائقه من الشركة ولزم المدرسة القرناصية وانقطع فيها لطلب العلم ، وأكمل حفظ القرآن بعد أن كان حفظ جانبا منه ، وأخذ في الجد والاشتغال . وكان في مدة طلبه العلم في المدرسة خشن العيش متقشفا معتزلا عن الناس ، فحضر على الشيخ عبد اللطيف النجاري في المدرسة القرناصية مبادئ النحو والفقه وغيرهما ، حتى إذا اتسع فهمه أخذ في الحضور على مدرّس المدرسة إذ ذام الشيخ مصطفى أفندي الريحاوي ، وعكف على حفظ المتون ، فحفظ بعد الكتاب المبين « الشاطبية » و « الألفية » لابن مالك ، ومعظم « متن التنوير » في الفقه ، و « متن الجوهرة » في التوحيد ، و « السلم » في المنطق ، وغير ذلك . وتلقّى عن الشيخ الكبير الشيخ أحمد الترمانيني ، وكان الشيخ يتوجّه إليه في حلقة الدرس من بين الحاضرين ، ويخصه بالنظر والخطاب ، لما يراه فيه من الثقافة والنباهة . وتلقّى أيضا عن العالم المدقّق الشيخ علي القلعه جي وهو خاتمة أشياخه ، فإنه كان أيضا يخصه بالمذاكرة والمحاورة ، ويعتمد عليه ، حتى إنه إذا عرض يوما لصاحب الترجمة مانع منعه من حضور الدرس ، فالشيخ لا يقرأ الدرس في ذلك اليوم . فنما ذكره بين المشايخ والطلاب ، وأخذت شهرته تنتشر آنا فآنا حتى أصبح المفرد العلم ، ولم يبلغ الثلاثين من عمره حتى برع في الفقه والأصول والفرائض والنحو والمنطق وسائر الفنون الآلية ، فشاع صيته وعرف كل ذي فضل فضله ، وصار إليه مفزع الناس في معضلاتهم ، وعليه المعول في حل مشكلاتهم . * أساتذته : أما أساتذته الذين تلقّى عنهم فمنهم الشيخ مصطفى الريحاوي مدرّس القرناصية قرأ عليه الفقه الحنفي ، والشيخ مصطفى أفندي الكردي مدرّس العثمانية قرأ عليه علم المنطق ، والشيخ أحمد الترمانيني قرأ عليه علمي الصرف والنحو ، والشيخ عبد السلام الترمانيني قرأ عليه صحيح البخاري وغير ذلك من كتب الحديث ، والشيخ إبراهيم اللبابيدي قرأ عليه علم أصول الفقه ، والشيخ مصطفى الشربجي قرأ عليه علم الفرائض ، والشيخ علي أفندي القلعه جي قرأ عليه في الفقه الحنفي « الدر المختار » وحاشيته « رد المحتار » ، وكان آخر أساتذته الذين قرأ عليهم . وفي برهة قليلة برز على أقرانه وفاق أساتذته ، وجلّى في حلبات العلوم ، واشتغل بنفسه في فنون متنوعة كاللغة والأدب . وكان مع ذلك من مشاهير القراء في مدينة حلب ، مجيدا للنطق وحسن الأداء ، فصيح اللسان ترتيلا وحدرا بالغا في التلاوة غاية الإتقان مع البراعة في معرفة الوقوف بأنواعها . وكان حافظا « لمتن الشاطبية » في علم القراءات كما ذكرنا ، ولكن لم يجمع القراءان السبع ، لأنه لم يجد أستاذا في حلب متلقيا بالسند ليأخذ عنه . * شهرته : لم تكن شهرته قاصرة على بلدته أو البلاد السورية ، بل عمت شهرته سائر البلاد الإسلامية ، وطبّق ذكره الآفاق ، وخصوصا في الفقه الحنفي الذي كاد يأتي على جميع نصوصه ، وكاد لا يغادر صغيرة منه ولا كبيرة إلا أحصاها ، وكنا نرى أنه لو شاء إملاء مذهب أبي حنيفة من حفظه لأملاه بنصوصه وحروفه ، وذلك لما أعطي من قوة الحافظة وفصاحة اللسان ، هذا مع التحقيق والتدقيق ومعرفة المصحح والمرجح من الأقوال ، ومع سرعة الجواب وعدم الاحتياج لمراجعة الكتاب ، فكان في ذلك يبهر العقول ويشهد له سائله ومذاكره بأنه فريد العصر وعديم النظير ، وكثيرا ما يستخرج النصوص الصريحة المنطبقة على الحادثة المسؤول عنها من غير مظان وجودها ، إذ تكون مذكورة هناك استطرادا أو استشهادا أو ليست مذكورة في أبوابها الموضوعة لها ، وهذا لا ريب يدلك على زاخرات علمه وسعة اطلاعه . * دروسه وحاله فيها : أول ما تولّاه تدريس المدرسة الشعبانية وذلك في سنة 1299 ه ، وكان في دروسه رحمه اللّه جوادا مضمارا